الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

123

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والباء في بِخَيْلِكَ إما لتأكيد لصوق الفعل لمفعوله فهي لمجرد التأكيد . ومجرورها مفعول في المعنى لفعل أَجْلِبْ مثل وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ المائدة : 6 ] ؛ وإما لتضمين فعل أَجْلِبْ معنى اغزهم فيكون الفعل مضمنا معنى الفعل اللازم وتكون الباء للمصاحبة . والمشاركة في الأموال : أن يكون للشيطان نصيب في أموالهم وهي أنعامهم وزروعهم إذ سول لهم أن يجعلوا نصيبا في النتاج والحرث للأصنام . وهي من مصارف الشيطان لأن الشيطان هو المسول للناس باتخاذها ، قال تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا [ الأنعام : 136 ] . وأما مشاركة الأولاد فهي أن يكون للشيطان نصيب في أحوال أولادهم مثل تسويله لهم أن يئدوا أولادهم وأن يستولدوهم من الزنى ، وأن يسمّوهم بعبدة الأصنام ، كقولهم : عبد العزى ، وعبد اللات ، وزيد مناة ، ويكون انتسابه إلى ذلك الصنم . ومعنى عِدْهُمْ أعطهم المواعيد بحصول ما يرغبونه كما يسول لهم بأنهم إن جعلوا أولادهم للأصنام سلم الآباء من الثكل والأولاد من الأمراض ، ويسول لهم أن الأصنام تشفع لهم عند اللّه في الدنيا وتضمن لهم النصر على الأعداء ، كما قال أبو سفيان يوم أحد « اعل هبل » . ومنه وعدهم بأنهم لا يخشون عذابا بعد الموت لإنكار البعث ، ووعد العصاة بحصول اللذات المطلوبة من المعاصي مثل الزنى والسرقة والخمر والمقامرة . وحذف مفعول وَعِدْهُمْ للتعميم في الموعود به . والمقام دال على أن المقصود أن يعدهم بما يرغبون لأن العدة هي التزام إعطاء المرغوب . وسماه وعدا لأنه يوهمهم حصوله فيما يستقبل فلا يزالون ينتظرونه كشأن الكذاب أن يحتزر عن الإخبار بالعاجل لقرب افتضاحه فيجعل مواعيده كلها للمستقبل . ولذلك اعترض بجملة وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً . والغرور : إظهار الشيء المكروه في صورة المحبوب الحسن . وتقدم عند قوله تعالى : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ في سورة آل عمران [ 196 ] ، وقوله : زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً في سورة الأنعام [ 112 ] . والمعنى : أن ما سوله لهم الشيطان في حصول المرغوب إما باطل لا يقع ، مثل ما يسوله للناس من العقائد الفاسدة وكونه غرورا لأنه إظهار لما يقع في صورة الواقع فهو تلبيس ؛ وإما حاصل لكنه مكروه غير محمود